أحمد ايبش
139
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
وبالدّار الكبرى بها إيوانان متقابلان تطلّ شبابيك شرقيّهما على الميدان الأخضر الممتدّ ، وغربيهما على شاطيء الوادي المخضرّ ، والنّهر به كأنه ذائب الفضّة . وله الرّفارف العالية المناغية للسّحب ، تشرف من جهاتها الأربع على جميع المدينة والغوطة . والوادي كامل المنافع بالبيوت الملوكيّة والإصطبلات السّلطانية ، والحمّام ، والمنافع المكمّلة لسائر الأغراض . وتجاه باب القصر باب يتوصل من رحبته إلى الميدان الشمالي ، وعلى الشّرفين المقدّم ذكرهما أبنية جليلة من بيوت ومناظر ومساجد ومدارس وربط وخوانق وزوايا وحمامات ، ممتدّة على جانبين ممتدّين طول الوادي « 1 » . وقد بنى في هذه السنين نائب السّلطنة « 2 » بها على الشّرف القبلي منها جامعا بديعا ، تليه تربة ضخمة ، ودارا ملوكية . ومدّ قبالة الجامع سوقا لطيفا وحمّاما فائقا زاد المكان حسنا على حسن ، وإبداعا على إبداع . وأما حاضرها الشمالي ، ويسمى العقيبة ، فهو مدينة مستقلّة بذاتها ذات جوامع ومساجد ومدارس وربط وخوانق وزوايا وأسواق جليلة وحمّامات . وبها ديار كثيرة للأمراء والجند . وأما نهر دمشق ، وهو بردا ، فمجراه من عينين : البعيدة منهما دون قرية تسمّى الزّبداني ، ودونها عين بقرية تسمّى الفيجة بذيل جبل عزّتا ، والماء خارج من صدع في نهاية سفل الجبل ، وقد عقد على مخرج مائه قبو رومي البناء « 3 » ، ثم ترفده منابع في مجرى النّهر .
--> ( 1 ) انظر ما تقدّم أعلاه من وصف هام للقصر الأبلق في نصّ الحميري . وكذلك وصفه ابن طولون في « ذخائر القصر » ( مخطوط ) ، والأيّوبي في « الرّوض العاطر » ( نشرناه منه ) . ( 2 ) أي سيف الدّين تنكز النّاصري ، نائب دمشق بأيام النّاصر محمد ابن قلاوون ، تولى بين 712 - 740 ه . الوافي بالوفيات للصّلاح الصّفدي 15 : 423 ؛ الدّرر الكامنة لابن حجر العسقلاني 1 : 55 . بنى جامعه عام 718 ه ، بقي منه مئذنته البديعة ومحرابه والتّربة . ( 3 ) هذا صحيح ، فالبناء بيزنطي وفيه اسم الإمبراطور مرقيانوس ( حكم 450 - 457 م ) ، كما قرأته منقوشا باليونانية بداخل حرم النّبع ، وأوردته في بحث « خطط ريف دمشق » .